نخبة من الأكاديميين
41
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
القسطنطينية ، مّما ألجأ الدولة إلى التدّخل واحتكار تجارتها عن طريق وكلاء مختصين دون غيرهم بنقل هذه المادة وبيعها بالسعر المحدّد لها « 1 » . وإذا كانت تجارة الحرير قد احتفظت غالباً بخط سيرها عبر الطريق التي عرفت باسمها في التاريخ ، وهي الممتدة عبر آسيا الوسطى إلى الخزر ، فالبحر الأسود على تخوم البيزنطيين ، فإن السلع الأخرى التي كانت رائجة أيضاً في الغرب الأوروبي ، اتخذت لها مسارات أخرى ، أكثر أمناً وأقلّ تكلفةً ، لا سيما الطريق الممتدة عبر المحيط الهندي ، فالبحر الأحمر الذي تمتّع بحيوية خاصة منذ العهد البطلمي حتى القرن السادس الميلادي . وكان التّجار الأحباش محور حركته ، إذ توغل بعضهم في المحيط الهندي ، ليعودوا محملين ببضائع الصين والهند وسيلان « 2 » ، خصوصاً الحرير والتوابل والجواهر ، إلى الذهب والعاج من أفريقية الشرقية ، حيث يُعاد تصديرها عبر البحر الأحمر ، ثم عبر ترعة النيل إلى الإسكندرية ، « مركز توزيع المنتجات الآسوية في حوض البحر المتوسط » وفاقاً لقول المؤرخ بينز « 3 » . ولكن فتح الطريق البرّية ، ما بين اليمن والحجاز ، فالشام ، أدّى إلى تراجع تجارة البحر الأحمر الذي كانت تعيق الملاحة فيه ، عوامل طبيعية وهجمات القراصنة ، مما جعل الشام سوقاً بديلة للإسكندرية تحت رعاية البيزنطيين . وفي ضوء ذلك ، تحوّل التنافس بين القوتين الأعظم حينذاك على موانئ اليمن ، حيث عمد الفرس إلى فرض نفوذهم عليها تعويضاً عن خسائرهم بفقدان ضرائب المرور على تجارة الشرق في بلادهم « 4 » ، فيما دأب البيزنطيون على محاولة السيطرة على المنطقة ، بما فيها مكة التي أخذت تفرض نفسها ، محطةً تجارية أساسية ، على حساب تراجع اليمن . وقد لا نجد في موازاة العلاقات التجارية ، ما يتكافأ معها من المؤثرات الثقافية المتبادلة ، على الرغم من سطوع المرحلة على هذا المستوى ، سواء في عهد الساسانيين ، أو في عهد جستنيان وخلفائه في الإمبراطورية البيزنطية . وإذا كانت التجارة عادة تحمل معها إلى جانب السلع ، أفكاراً ليس من الصعب انتشارها ، على الأقل بصورة غير مباشرة ، فإن المرويات التي أَلفِتْ تتّبع أخبار الملوك وحروبهم ، أعرضت غالباً عمّا سواها ، مما يخصّ المجتمع وشؤونه بعيداً عن مرجعية النّص ، ولكن مجتمعاً كذلك الذي نجم عن العهد الساساني ، لم يكن منعزلًا عن تيّارات المرحلة ، وبالتالي كان لا بّد أن يعكس أو تنعكس عليه تلك الحركة الصاخبة ، بثقافاتها المتنوعة في ذلك الزمن . فهو لم يكن مجرد مجتمع حرب وسياسات توسعية ، فقد تميّز حينذاك بنهضة علمية وأدبية ، دون أن تكون محصورة بطبقة رجال الدين والأشراف فحسب ، بل كان التجار بحكم طبيعة عملهم يحسنون القراءة والكتابة وعلم الحساب « 5 » . وثمة رواية تكاد تكون فريدة في تاريخ الطبري ، تشير إلى صلات ثقافية بين الفرس والبيزنطيين ، إذ كان المنجّمون ، بناءً على طلب الملك يزدجرد ، استطلعوا أمر ابنه بهرام ، فرأوا أن « يكون رضاعه في أرض لا يسكنها الفرس ، وأن من الرأي أن يُربّى في غير بلاده ، فأحال يزدجرد الرأي في دفعه في الرضاع والتربية إلى بعض من ببابه من الروم ( البيزنطيين ) ، أو العرب ، أو غيرهم ممن لم يكن من الفرس ، فبدا له في اختيار العرب لتربيته وحضانته « 6 » . أما الدلالة التي يمكن استخلاصها من هذه
--> ( 1 ) المصدر نفسه ص . 276 - 277 . ( 2 ) المقدسي ، أحسن التقاسيم ص . 97 . ( 3 ) الإمبراطورية البيزنطية ص . 282 . ( 4 ) Diehl , ch , Byzance , Grandeur et Decadence . P . 45 ( 5 ) كريستنسن ، المرجع السابق ص . 400 . ( 6 ) الطبري . 2 ص . 68 .